الشيخ محمد الصادقي الطهراني

99

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

بسطها ، وشدِّها وإرخائها ، اللهم إلّاما لكائن في اختيار ، ولكنه أياً كان ليس اختيار تفويض كما لا إجبار . « ما يَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ » ( 35 : 2 ) . ان اللَّه تعالي - بملائكته العمال - هو الفاتح لرحمته ، وهو الممسك لها لا سواه ، فلا تجعلواللَّه الابدال الأمثال ! وليست خزائن رحمته إلّامِلكه في مُلكه : « قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي لأمسكتم خشية الإنفاق » ( 17 : 100 ) « أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب » ( 38 : 9 ) اذاً فلا فاتح لها إلّاهو ، ولا ممسك لها بعد فتحها أم قبله إلّاهو ! و « من رحمة » تستغرق كل رحمة مادية وروحية ، تدفُّقاً على من يشاء ، أو إغاضة عمن يشاء ، « وهو العزيز » في فتحها وامساكها ، إذ لا ممسك لها ولا مرسل « من بعده » ارسالًا وامساكاً ، الحكيم فيهما فتحاً بحكمة وإمساكاً بحكمة دونما فوضى جزاف ! هنالك تنقطع عن شبهة كل حول وكل قوة إلّاباللَّه ، حيث تغلق كل الأبواب إلّاباب اللَّه ، فلا تدق من الأبواب إلّاباب اللَّه . فكل نعمة يمسكها اللَّه تنقلب نقمة ، وكل نقمة تحفّها رحمة اللَّه تنقلب نعمة ، فقد تنام على شوك برحمة اللَّه فإذا هو مهاد ، أو تنام على حرير وقد أمسكت عنك رحمته فإذا هو شوك القتاد ! ترى يوسف في غياهب السجن هو في رحمة اللَّه حيث يبتعد هناك عن سخط اللَّه : « رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه » وهناك العزير وامرأته في نعمة البلاط وهما في نقمة اللَّه ، وكما ظهرت لهما بعد ردح من الزمن . هنالك رحمات والطاف خفية إلهية لا يدركها إلّا اهلوها ، خليطة بأشواكٍ ، ظاهرة بمظهر الهلاك ، ولكنها باطنها فيها الرحمة وظاهرها من قبلها العذاب ! . ليست هنالك - وفي دار المحنة وتناسل الذرِّية - رحمة خالصة دون تعب وشغب ، فحين تعيش مع اللَّه ، راضياً بمرضاة اللَّه ، ملتزماً طاعة اللَّه ، فلا عليك أن يضيق سائر الرزق ، وتخشن سائر الحياة ، ويشوك المضجع ، فإنه حياة الرحمة والراحة ، حيث تعيش أصل الرحمة .